عملية ( غصن الزيتون ) في عفرين : ثنائية المصلحة والأمن القومي

بدأت تركيا منذ السبت الماضي 20 يناير/ كانون الثاني عملية عسكرية أطلقت عليها اسم غصن الزيتون ، لتصفية وجود ما تسميه اذرع لحزب العمال الكردستاني في سوريا المتمثلة بوحدات حماية الشعب الكردية ، التي تتلقى الدعم من الولايات المتحدة ، وترك لها النظام السوري مناطق شمال وشرق سوريا عبر اتفاقات في هذه المناطق تضمن بموجبها هذه الوحدات وجود شكلي للحكومة السورية ، ووضعت هذه الوحدات عبر تشكيل جديد سمي قوات سوريا الديمقراطية وعبر الدعم الامريكي على ضفاف الفرات حتى مدينة الزور فضلا عن مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط في الحسكة والقامشلي ، وتلقت دعما كبيرا لذلك لمواجهة مسلحي داعش وانتزعوا السيطرة منهم على اهم مدينتين وهي منبج والرقة السوريتين يضاف اليها السيطرة على اكبر السدود المائية في سوريا وهو سد الطبقة . وحدات الحماية الكردية : سلاح بذراعين مزدوجين . تعد وحدات الحماية الكردية الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي ، وتعتبر تركيا بان هذان التشكيلان السياسي والعسكري ليس إلا ذراع لحزب العمال الكردستاني والذي تخوض معه تركيا مواجهة عسكرية منذ ثمانينات القرن الماضي ، وتصنفه من المنظمات الإرهابية ، كما أن الولايات المتحدة وعدة دول أوربية تصنفه هذا الحزب كمنظمة إرهابية ، بيد أن الدعم الدولي لهذه الوحدات بدأ بالتوافد بعد إعلان التحالف الدولي لمحاربة داعش آب 2014 ، وتغاضى الدعم الدولي الاعتراض التركي على ذلك ، بالإعلان أن هذا الدعم موجه فقط لمحاربة داعش ولا يستهدف الأمن القومي التركي ، بيد أن أنقرة أعلنت مرارا أن هذا الدعم يصب في دعم العمال الكردستاني بطريقة وأخرى عبر انتقال السلاح والدعم التدريبي من هذه الوحدات إلى الداخل التركي للعمال الكردستاني ، وأدركت تركيا كذلك بأن الأسلحة التي تصل إلى هذه الجماعات لمواجهة جماعات الأصولية الدينية ، فإنها تشكل دعم بوجه آخر لجماعات قومية متطرفة إرهابية . نوايا تركية بغايات ستراتيجية : تسعى تركيا عبر أول عملية لها داخل سوريا لمواجهة الوجود العسكري لوحدات الحماية التي تصنفها كمنظمة إرهابية ، لحسابات ستراتيجية عدة تتمثل بما يلي : أولا : ضمان منطقة أمن حيوي داخل سوريا ، تستعيد بموجبها تركيا قوتها وصوتها على الملف السوري ، لاسيما بعد الخلاف الخليجي القطري الذي انعكس بالسلب على الملف السوري .ومحاربة تلك الجماعات داخل الاراضي السورية بدلا عن محاربتها على الاراضي التركية . ثانيا : تحاول أنقرة التي تشترك بحدود تزيد عن 900 كم والتي قامت بإنشاء جدار أمني عليها منع تسلل الجماعات المسلحة من الداخل السوري إليها ، وذلك بعد حدوث عدة عمليات إرهابية داخل تركيا كان مصدرها جماعات تتمتع بنفوذ وسيطرة على الأرض السورية . ثالثا : الحد من الصوت الكردي القومي داخل تركيا ، الذي ازدادت مطالبه ، بعد انتعاش أكراد سوريا وحصولهم على موطيء قدم كبيرة في الأراضي السورية الغنية بالنفط في شرق سوريا وإعلانهم النية بمد التواصل بين المناطق التي تحت سيطرتهم في سوريا للوصول الى ادلب عبر إنشاء إقليم فدرالي تحت إدارتهم في هذه المناطق ، ثم الحصول على منفذ على البحر المتوسط ، مما جعل انقرة تدرك إنها ستكون أمام جار جديد سيكون بمثابة المنطقة العازلة لتواصلها مع مناطق المشرق العربي والخليج بيئة الاستثمار التركية المزدهرة . المواقف الدولية : إعلان آني وحساب ستراتيجي : تباينت المواقف الدولية من العملية العسكرية التركية على عفرين ، لكنها متفقة في الإعلان عن رفضها لها ، بيد أن لدول المحيط الاقليمي والدولي حساباتها في الرفض العلني والحساب الاستراتيجي المستتر تحت عناوين معقدة ومتشابكة ويمكن تصنيف المواقف الى صنفين : أولا : مواقف المحيط الإقليمي : وهي تتضح في جملة المواقف التي صدرت من هذا الدول بإعلانها رفض العملية واستنكارها ، فالرفض المصري على سبيل المثال نابع من طبيعة الخلاف التركي المصري بعد الإطاحة بمرسي ، وكذلك للإدراك الاستراتيجي المصري بأن أية تسوية للملف السوري لابد وأن تحافظ على كيان الدولة السورية الموحدة ، فضلا عن أن القاهرة تشعر بخطر تزايد النفوذ التركي على ملفات أساسية في المنطقة مما يعني ازاحة الدور المصري عن هذه الملفات . أما الموقف الإيراني فيأتي جزء من رعايتها للنظام السوري علاوة على ضرورة مشاورتها في اي قرار يخص سوريا واشتراكها مع تركيا في محاربة الجماعات الكردية المسلحة التابعة للعمال الكردستاني . وينطبق هذا الموقف مع موقف النظام السوري الذي تتولى روسيا وايران رسم مناطق تحركه . ثانيا : مواقف المحيط الدولي : تتشارك المواقف الدولية إزاء هذا الموضوع ضرورة أولويات محاربة التطرف الديني المسلح على حساب التطرف القومي الذي تستشعره تركيا ، إذ أعلنت فرنسا رفضها للعملية ودعت الى اجتماع عاجل لمجلس الامن وتشاركها المانيا وبريطانيا في ذلك ، أما الموقف الروسي فرفض العملية وأعلن انه قام بسحب مفارز جنوده من منطقة عفرين وذلك قبيل العملية وذلك يفسر إلى إن ثمة تنسيق مسبق بين الطرفين وذلك بعد القمة الثلاثة بين روسيا وتركيا وايران في سوتشي العام الماضي ، واعطاء مساحة اكبر لتركيا من اجل سحبها الصف الامريكي ويسهل لروسيا مهامها الاستراتيجية في المنطقة وذلك ببقاء نفوذها على المياه الدافئة بالبحر المتوسط . في حين يبدو الموقف الامريكي الأكثر التباسا وإثارة للتساؤل والتفسير ، اذ أعلنت امريكا ان منطقة عفرين لا تقع ضمن عمليات التحالف الدولي ، لكنها في الوقت ذاته تقدم دعم تسليحي وتدريبي للوحدات الكردية في هذه المنطقة عبر ما يسمى قوات سوريا الديمقراطية ، مما يوحي بأن ثمة سعي امريكي يحتمل تأويلات عدة فهي تحاول من جهة توريط الجيش التركي في منطقة عفرين الجبلية الوعرة بوقوعها بافخاخ رسمت لها مسبقا ، كما أنها تسعى الى تفريغ جزء من الغضب التركي من الموقف الامريكي نتيجة دعمها وحدات الحماية . الملف الكردي على طاولة الإقليم من جديد : يعد الملف الكردي من أكثر ملفات المنطقة إثارة للتداخل بين الإقليمي والدولي ، ويصل احيانا حد التقاطع بين هذه التداخلات ، بيد أن استنتاج واضح مفاده بأنه لا يمكن حلحلة القضية الكردية من دون أربعة دول اقليمية تتقاسمهم وهي : العراق وسوريا وتركيا وايران ، وأدركت هذه الدول بعد تجربة الاستفتاء بأن استمرار الدعم الدولي للكرد سيؤدي ليس إلى إعلان دولة مستقلة لهم بقدر ما يعني تفتيت هذه الدول ، ويعني خسارة كبيرة لجزء من أراضيها وتوازنها الإقليمي الاستراتيجي ، وان انفراد أيُ طرف يعني اختلال هذا التوازن والذي سجعل من هذه المنطقة تترنح أمام مشكلات كبيرة وإعادة التوازن يعاني من صعوبة ستراتيجية ، من هنا فان دول الإقليم تسعى إلى إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع قوى الاعتدال الكردية ولاسيما في العراق وإبراز دورها على حساب أكراد المناطق الأخرى . الختام : تناسل الأزمات وتوالدها . شكلت الأزمة السورية تزايد نسبة التناسل في أزمات المنطقة وفجرت قضايا وملفات كادت أن تندثر ، بيد أن الملف الأهم لهذه الأزمات أنها أبرزت دور جماعات التطرف الديني والقومي في سوريا ، وإذ شكلت الجماعات الدينية تهديدا للمجتمع الدولي فان الدول الإقليمية ولاسيما تركيا وإيران والعراق ملف تزايد الدور الكردي ولاسيما حزب العمال الكردستاني في المنطقة ، وما يشكله من أزمات على المنطقة وحتى الداخل الكردي . فضلا عن شعور تركيا بأن هذه الأزمة جاءت لحسابها وعلى حسابها ، فهي جاءت لحسابها بأن أعطت دور كبير لتركيا على الملف السوري ، أما على حسابها فقد جعلت من حدودها الطويلة مع سورية مناطق لجماعات لا تحمل معنى الدول وتخمرت بأفكار العنف والتطرف وتشكل تهديدا خطيرا لأمنها القومي .