إيران بين سندان الاحتجاجات الشعبية ومطرقة التدخل الخارجي: سيناريوهات التحول والانهيار
م. بسمة محمد نظير احمد
جامعة الموصل/ كلية العلوم السياسية
مقدمة: سياق الأزمة
دخلت الدولة الإيرانية في مطلع عام 2026 في موجة اضطرابات داخلية التي تجاوزت في أبعادها مجرد المطالب الاقتصادية لتتحول إلى أزمة وجودية للنظام والدولة معاً، وإن التداخل بين “انفجار البازار” وبين الطموحات الإقليمية للقوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، يضع المنطقة أمام سيناريو “الصفحة الثانية” من الصراع الذي بدأ يتبلور منذ صيف 2025.
أولاً: “البازار” والشرارة.. من الاحتجاج الاقتصادي إلى الصدام السياسي
مثّلت تظاهرات “البازار” الإيراني (قطاع التجار ورجال الأعمال) نقطة التحول الكبرى؛ فهذه الفئة التي تُعد العمود الفقري التقليدي للاستقرار السياسي في إيران، وجدت نفسها في صدام مباشر مع التمدد الاقتصادي للمؤسسات السيادية.
– سوء التقدير السلطوي: أدى رد الفعل العنيف وتوجيه تهم العمالة للداخل الإيراني إلى كسر حاجز الخوف لدى الشارع، مما حوّل الحراك من احتجاج فئوي إلى ملحمة شعبية سقط فيها آلاف القتلى والجرحى.
– اتساع الفجوة: اكتشاف الشارع لمظلومية القطاع التجاري أدى إلى تلاحم غير مسبوق، وضع السلطة في مواجهة مباشرة مع قاعدة اجتماعية كانت تاريخياً تشكل حائط صد ضد التغيير الجذري.
ثانياً: الاستثمار “الصهيو-أمريكي”.. الربيع الملوث بالعسكرة
في قراءة المشهد من منظور واشنطن وتل أبيب، لا تبدو هذه الأحداث “ربيعاً ثورياً” بالمعنى القيمي، بل هي “فرصة ذهبية” لاستكمال حزمة أهداف عدوان صيف 2025.
– الغطاء السياسي للتدخل: يسعى تحالف (نتنياهو-ترامب) لتسويق الاحتجاجات كـ “ثورة” تابعة لمخططاتهم، مما يمنحهم الذريعة الأخلاقية للتدخل العسكري بحجة حماية تطلعات الشعوب، بينما الهدف الحقيقي هو تصفية القدرات الاستراتيجية.
– خلق “الفنزويلية” الإقليمية: تهدف الاستراتيجية الأمريكية إلى تحويل إيران إلى نموذج مشابه لما حدث في فنزويلا؛ استباحة الثروات والنفط تحت غطاء دعم الشرعية، وهو ما يمهد لإعلان “الشرق الأوسط الإسرائيلي” رسمياً بعد إزاحة القوة المناوئة للتوسع الصهيوني.
ثالثاً: فرضيات الانزلاق العسكري.. الهجوم الاستباقي والرد المتبادل
تؤكد المعطيات الاستخباراتية أن إسرائيل تبحث عن “حجة قوية” لضرب العمق الإيراني مجدداً، ومع أن العقيدة العسكرية الإيرانية دفاعية في جوهرها، إلا أن وقوع أحداث نوعية مثل تخريب البنية التحتية العسكرية الحساسة أو اغتيال شخصيات قيادية، قد يدفع طهران نحو “هجوم استباقي” أو رد انتقامي واسع، وهو ما يخشاه الإعلام الإسرائيلي الذي يروج حالياً لفكرة أن التجارب الصاروخية ليست إلا غطاءً لهجوم مفاجئ.
– القدرات الصاروخية: رصدت تقارير الأقمار الصناعية إعادة بناء منشآت (بارجين وشاهرود) لإنتاج الصواريخ الباليستية، مما أثار قلقاً في تل أبيب من احتمال وقوع “هجوم إيراني استباقي” لتعويض خسائر العام الماضي.
– التصعيد الوشيك: يروج الإعلام الإسرائيلي حالياً لفكرة أن التجارب الصاروخية ليست إلا غطاءً لهجوم مفاجئ ضد تل أبيب، مما يشرعن فكرة “الضربة الوقائية”.
رابعاً: آفاق الحل وسيناريوهات المستقبل (تقدير موقف)
في ظل المعطيات الراهنة، يقف النظام الإيراني أمام مسارين لا ثالث لهما بحلول نهاية 2026:
– سيناريو إعادة الهيكلة القسرية: إجراء تحول جذري في بنية السلطة يشمل انسحاب المؤسسة الدينية التقليدية لصالح إدارة تكنوقراطية-عسكرية تحاول التهدئة مع الغرب.
– سيناريو الانهيار البنيوي: في حال إصرار السلطة على الخيار الأمني الكلي، قد تنزلق البلاد نحو فوضى عارمة تؤدي إلى تفكك جغرافي، وهو ما يثير مخاوف إقليمية ودولية من تحول إيران إلى “ساحة صراع مفتوحة”.
خامساً: المخرج المقترح لضمان بقاء الدولة:
يتطلب الواقع الراهن تحولاً هيكلياً يتمثل في انسحاب المؤسسة الدينية من واجهة المشهد السياسي والاقتصادي، وتسليم إدارة الدولة لسياسيين تكنوقراط من أبناء الأقاليم الأصليين، مع ترك القرار الأمني والعسكري للمهنيين لحماية وحدة الأراضي الإيرانية وتحسين علاقاتها مع محيطها العربي والإسلامي.
خاتمة التحليل
إن ما يجري في إيران ليس مجرد شأن داخلي، بل هو إعادة رسم لخرائط النفوذ في الشرق الأوسط، وإن نجاح “العدوان الناعم” عبر استغلال التظاهرات قد يعني تصفية القضية الفلسطينية نهائياً وتركيع المنطقة بأسرها، ما لم تدرك القوى الحية في الإقليم أن سقوط إيران في فخ “الربيع المصطنع” سيكون المسمار الأخير في نعش التوازن الاستراتيجي الإقليمي.
المصادر المرجعية (للتحقق والتوثيق)
– معهد دراسة الحرب (ISW): تقارير “تحديث الصراع الإيراني” لشهري ديسمبر 2025 ويناير 2026.
– منظمة “هرانا” (HRANA): بيانات توثيق الضحايا والمعتقلين في المدن الإيرانية الكبرى لمطلع عام 2026.
– موقع أكسيوس (Axios): تسريبات التنسيق الاستخباراتي الإسرائيلي-الأمريكي حول المنشآت النووية الإيرانية.
– مركز “تشاتام هاوس” (Chatham House): دراسة “مستقبل التوازن الإقليمي بعد أحداث يونيو 2025”.
– وكالة رويترز (Reuters): تقرير خاص (11 يناير 2026) حول خيارات البيت الأبيض العسكرية تجاه طهران.
– الشرق الأوسط، مقال، إيران تعيد بناء منشآت الصواريخ وتنقصها معدات خلط الوقود، سبتمبر 2025
– مركز “تريندز” للبحوث والاستشارات، دراسة “الاحتجاجات وتحولات الحكم في إيران”، 11 يناير 2026.



إرسال التعليق